Tuesday, September 06, 2005

محنة المسيحيين العرب

مجدى خليل


جاءت التفجيرات التي طالت ستة كنائس في يوم واحد في العراق ، عاكسة لأزمة المسيحيين العرب. فهم محاصرون بين مطرقة الجماعات الإرهابية والمتطرفين، وسندان حكومات متعصبة تتلاعب بورقة التطرف الدينى لمصالحها فى حين تكرس مفهوم التمييز بين المواطنين على أساس الدين والعرق والمذهب. يحدث هذا فى ظل ثقافة عنصرية إستعلائية ضد الآخر غير المسلم وتراث فى معظمه ملئ بالعنف والكراهية وتاريخ يتمحور ويصب في خطه الأساسى فى مجرى الصراع والقتل والذبح والدموية.

لقد خسر مسيحيو الشرق الأوسط في السباق الديموجرافى بينهم وبين المسلمين شركاءهم في الاوطان، بفعل عوامل التناسل والهجرة الاختيارية والقسرية ونتيجة للاعتداء على أرواحهم ولعوامل الضغوط والإغراءات التي تستهدفهم لكى يتركوا دينهم. الوحيدون الذين صمدوا في هذا السباق الجهنمى، بعد أن دفعوا ثمنا فادحا، هم مسيحيو جنوب السودان، لوضعهم الخاص ولأنهم فهموا المفتاح الحقيقي لفرض توازن واقعي للقوى في مواجهة الفكر الاستئصالى للآخر.

ففي لبنان تراجعت نسبة المسيحيين من 50-60% من تعداد السكان قبل عام 1975 إلى 25-30% اليوم، والأهم تراجع نفوذهم السياسي بشكل كبير. وتقدر وزارة المغتربين في لبنان عدد المهاجرين بخمسة ملايين لبناني منهم أكثر من 3.5 مليون مسيحى. وبعد أن كانت لبنان ملاذا شرق أوسطيا للمضطهدين والمطاردين دينيا وفكريا أصبحت طاردة لأبنائها الأصلاء بفعل التدخل العربى والعبث الفلسطينى والاحتلال السوري. ويعلق البطريرك اللبناني نصر الله صفير على هذا للـ"بي بي سي": "المسيحيون يشعرون بأنهم مهمشون ولا رغبة في وجودهم". ويصف الغبن الواقع على مسيحيى لبنان بقوله: "لبنان كان في حالة حرب والذي أوقف الحرب هو إتفاق الطائف، ولكن إتفاق الطائف طبق بشكل انتقائى ولم يطبق كاملا ". ويؤيد ذلك موشيه ماعوز فى كتابه "الاقليات الشرق أوسطية بين الإندماج والصراع" حيث يقول: "..لعدة عقود بعد 1943 فإن مسيحيى لبنان المارونيين، والشيعة، والنخبة السنية، تعاونوا فى نظام تعددي وقانوني ديموقراطي لبناني تسيطر فيه الأقليات، ولكن تغَيراً لصالح المجتمعات المسلمة ولصالح القوميين العرب الراديكاليين، ولصالح الوجود العسكري الفلسطيني، وبسبب التدخل السوري والأسرائيلي، أدى الى إبعاد المارونيين ووضعهم فى موقع دفاعي".

في العراق، تزايدت هجرة المسيحيين بعد هزيمة صدام فى حرب الخليج الثانية وتسلل اللغة الدينية إلى مفردات الخطاب السياسي العراقي ، وتردي الأوضاع الاقتصادية بفعل الحصار. ومع سقوط بغداد على يد قوات التحالف انتشرت خفافيش الظلام المتعصبة تهاجم في البداية محلات الخمور المملوكة للمسيحيين مما اضطرهم لغلق أكثر من200 محل لبيع الخمور، ثم امتدت الاعتداءت على البنات المسيحيات غير المحجبات، ثم طال الاعتداء منازل المسيحيين وأرواحهم. وقد قتل عدد من المسيحيين المسالمين نتيجة لهذه الهجمات. وأخيرا الاعتداء على كنائسهم وهم يصلون مما أوقع عدد كبير من القتلي والجرحى. وحسب ما نقلته الأخبار إضطر الآلاف من مسيحيى العراق للنزوح إلى سوريا عقب الاعتداءات الأخيرة على الكنائس. لقد أثبتت وقدمت الاعتداءات على الكنائس في العراق الدليل العملي على أن ما يحدث في العراق لا مقاومة ولا يحزنون وإنما هو إرهاب قبيح يعتدى على أبرياء مسالمين ويهدف في النهاية إلى تخريب التجربة العراقية الجديدة.

في فلسطين تراجعت أعداد المسيحيين من 17% من تعداد السكان إلى أقل من 2% حاليا. وبفعل أسلمة قضية فلسطين وسيطرة المتشددين على الشارع أُفرغت أحياء كاملة في بيت جالا وبيت لحم وبيت ساحور من سكانها المسيحيين كما ذكرت يديعوت احرونوت، وتراجع عدد السكان المسيحيين في القدس من 50% عام 1920 إلى أقل من 10% في التسعينات وفقًا لما ذكرته الـ "بي بي سي". وأثـَّرت الإنتفاضة الفلسطينية التي تقودها المنظمات الإسلامية بشكل سيئ على أوضاع المسيحيين هناك حيث كانت هذه المنظمات تطلب منهم ما يشبه الجزية لتجهيز انتحارييها. والأخبار القادمة من الأراضي المقدسة مزعجة بالنسبة لأوضاع المسيحيين هناك. ففى غزة تسير المسيحيات محجبات خوفا من هجمات المتطرفين الإسلاميين. وخلال أزمة كنيسة المهد، ذكرت مراسلة لوس أنجلوس تايمز التي تسللت إلى داخل الكنيسة، "أن الإرهابيين عبثوا بكل شيء من محتويات الكنيسة وإستخدموا خشب الهيكل للتدفئة وإستعملوا أوراق الكتاب المقدس كأوراق تواليت". ولعل أزمة مسجد شهاب الدين بالناصرة الذي حاول بعض المتطرفين إقامته فى مواجهة كنيسة البشارة يكشف بجلاء عن رؤية هذه الحركات والتنظيمات لإقامة دولة إسلامية فى أقدس بقعة عند مسيحيى العالم كله.

أما أوضاع الأقباط فحدث ولا حرج حيث وصلوا حاليا إلى أعلي مراحل التهميش منذ تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد علي. والتقارير الصادرة عنهم في الخارج لا تخرج عن عناوين "أقلية معزولة" ، "أقلية تحت الحصار" ، "كنيسة مضطهدة" ، "أقلية مقموعة" ويقول موشيه ماعوز في كتابه السابق ذكره أن "الأقباط ذو الأصول المصرية القديمة، يشاركون فقط ضمن الحد الأدني في الحياة السياسية. وقد قبلوا بعملية الإندماج السلمى فى مجتمعاتهم الوطنية التي بدأت في أواسط القرن التاسع عشر، ولكنها كانت تقاطع دائما بشكل دوري من قبل التحرك العسكري الإسلامى الذى كان يسبب توترا مسيحيا – إسلاميا وقلقا قبطيا. وقد استمرت تأرجحات الإندماج والرفض عبر القرن العشرين وكان العزل هو النموذج السائد تحت تأثير الأنظمة التسلطية". وقد أدت هذه الأوضاع إلى هجرة حوالي مليون ونصف شخص من أفضل الكفاءات القبطية إلى أمريكا وأوروبا وأستراليا. أما أعدادهم في الداخل فظلت لغزا تفرض الحكومة سياجا حديديا حوله.
ورغم أن النظامين السوري والأردني يعدان أفضل الأنظمة العربية في معاملة مواطنيهم المسيحيين إلا أن حركة الأسلمة والأوضاع الاقتصادية المتردية قد أثرت على أوضاع المسيحيين في هذين البلدين. وبعد أحداث 11 سبتمبر وظهور ما يشبه الصدام مع الغرب وتزايد موجة الكراهية في المنطقة لكل ما هوغربي كما يقول الصحفي البريطاني مارتن بوكلي: "بدأ المسيحيون في الأردن يشعرون بأنهم صاروا مدفوعين نحو إختيار صعب، فإما أنهم ينتمون إلى العالم الغربى أو إلى العالم العربي". وبدأت تتسلل شكوك بأن المسيحيين قد يكونون بمثابة نوع من "الطابور الخامس" أو "عدو من الداخل"، وهذا يعد جزءا من صناعة التشكيك ضد المسيحيين وانتمائاتهم الأصيلة لبلادهم.إن قدر المسيحيين العرب التعس ان يدفعوا ثمن اى توتر او صراع بين الشرق المسلم والغرب المسيحي.
لقد تم تجريد المواطنيين اليهود فى اغلب الدول العربية من مواطنتهم واملاكهم لاسباب دينية وسياسية، وجردوا من جنسياتهم فى بلادهم الاصلية لاسباب دينية رغم وجودهم من آلاف السنيين فى هذه البلاد، فهل سيحدث نفس الشئ مع المسيحيين العرب اذا حدث صدام بين الغرب والشرق؟
من الغزو العربي إلى الغزو العثماني، عانى المسيحيون في الشرق الأوسط من الأقباط والأرمن والسريان والمارونيين والأشوريين والكلدانيين والأراميين مع الأقليات الأخري مثل الشيعة والأكراد والدروز من إضطهادات مريرة. ولكن مع بدء الدولة الحديثة وسقوط الخلافة العثمانية وقدوم الاستعمار الغربي، بدأت هذه الأقليات تأخذ أوضاعها فى المشاركة ضمن مفهوم المواطنة المتنامي. ولكن في النصف الثاني من القرن العشرين ومع زحف الأنظمة العسكرية والتيارات الدينية الفاشية بدأت نكسة كبيرة للمكتسبات الطبيعية فى حقوق المواطنة التي حصلت عليها هذه الاقليات.

لقد نبهت الأوضاع المتردية للمسيحيين العرب رجال شرفاء كثيرين للمحنة التي يعاني منها هؤلاء ودفع البعض ثمنا للدفاع عنهم، مثل فرج فودة وسعد الدين إبراهيم. ودفع آخرون ثمنا لمقاومة التيارات الظلامية التي اكتسحت المنطقة وإنطلقت كتابات منصفة تنبه إلى الأزمة التي يعيشها هؤلاء المسيحيون وتردي أوضاعهم.

فكتب الأمير طلال بن عبد العزيز عن "بقاء المسيحيين العرب" في صحيفة النهار اللبنانية: "أن ما يحدث للمسيحيين العرب نتاج بيئة تفترش التعصب والتطرف وبالتالي العنف المؤدي إلى كوارث تاريخية والأهم من ذلك كله على فكرة إلغاء الآخر، وأن بقاؤهم ترسيخ للدولة العصرية وللتنوع الثقافي وللتعددية وللديموقراطية ولمنع استـنزاف الطاقات العلمية والفكرية والثقافية من منطقتنا، وهجرتهم ضربة عميقة توجه إلى صميم مستقبلنا".
وكتب محمد حسنين هيكل في مجلة الكتب-وجهات نظر: "أشعر، ولابد أن غيرى يشعرون، أن المشهد العربي كله سوف يختلف حضاريا وإنسانيا وسوف يصبح على وجه التأكيد أكثر فقرا واقل ثراء لو أن ما يجري الآن من هجرة مسيحيي المشرق ترك أمره للتجاهل أو التغافل أو للمخاوف . أي خسارة لو أحس مسيحيوا المشرق أنه لا مستقبل لهم أو لأولادهم فيه، ثم بقي الإسلام وحيدا في المشرق لا يؤنس وحدته غير وجود اليهودية الصهيوني – بالتحديد أمامه في إسرائيل".

أما جلال أمين فكتب: "لقد أصبح واضحا كالشمس أن قضية المسلمين والأقباط ليست قضية دينية، وإنما هي قضية تثير كل قضايانا في نفس الوقت: التعليم الحرية والعقلانية والعدالة والأخلاق والتنمية والتبعية. فإذا كان هذا صحيحا، فإنه يصبح أيضا واضحا كالشمس أن تحرير الأقباط هو شرط ضرورى لتحرير المسلمين".

وكتب طارق حجي " الأقليات فى الشرق الأوسط هي الموصل لعدوى التقدم والتحديث والسير مستقبلا".

وكتب الكثيرون كلمات جميلة. وزار البابا يوحنا بولس منطقة الشرق الأوسط لتعزيز وتثبيت مسيحيي الشرق الأوسط ضد محاولات إستئصالهم المتكررة. ولكن لا الكلمات ولا الزيارات، رغم أهميتهما، سوف يؤديان إلى نتائج كبيرة، والأمل الوحيد الباقي هو سيادة أسس الدولة الحديثة والديموقراطية والحريات والمواطنة وهى العوامل الأساسية التي سارعت باندماجهم في النصف الأول من القرن الماضى وغيابها هو الذي أدى إلى تهمشيهم وعزلتهم وأضطهادهم في النصف الثاني من القرن الماضي أيضا ولا يزالون.

منذ ما يقرب من ربع قرن سأل احد الصحفيين اسقفاً بولندياً عن الكنيسة الصامتة تحت الحكم الشيوعى فى بولندا. اجاب الأسقف بغضب: "ليست هناك كنيسة صامتة، ولكن أنتم في الغرب الصامتين عنها". هذا الاسقف هو كارول فوتيلا الذى أصبح فيما بعد قداسة البابا يوحنا بولس الثانى. رسالة المسيحيين العرب للغرب هى نفس رسالة هذا الاسقف الشجاع الذى ساهم بجهد كبير فى سقوط الشيوعية. ونحن بدورنا نرى أن سقوط الارهاب الديني فى العالم الاسلامي ودعم الإصلاح فى الشرق الاوسط يمثل ضرورة لامن وسلام العالم كله بما فى ذلك الملايين من المسلمين المعتدلين.