Thursday, September 08, 2005

الارهاب الدينى

كم كانت شفقتنا ورثاؤنا لحال الإعلام المصري المرئي أثناء تغطيته لتداعيات عمليات شرم الشيخ. لم يكن هناك بديل بالطبع لاستمرار هذا الإعلام في دوره التاريخي الذي يقوم به منذ عقود بكفاءة منقطعة النظير في تخريب العقل المصري
لم يجد من المحلِلين والمعلقين إلا المضلِلين الذين يقومون بإلقاء اللوم على اسرائيل وبالطبع على أمريكا!! ولم يجد غير "خبيرٍ في الإرهاب" يتضح من كلامه أنه أقرب إلى كونه "خبيرا إرهابيا"، إذ تولى بحماسة وكفاءة تقديم أدبيات القاعدة كتبرير اعتذاري للمجازر التي تحدث
واستنتج آخرون أن استهداف المصريين هو دليلٌ على أن مقترفي العملية أناس "سيئون" لا يمكن أن يكونوا "عربا أو مسلمين". والمعنى الواضح هو أنه لو كان السواح الكفار هم الهدف لكان الأمر "مفهوما"!! [تكرر هذا الكلام حرفيا ممن يبدو أنهم إرهابيون وإرهابيات شاركوا بطريق الخطأ في مظاهرة "تندد بالإرهاب"، نظمتها الحكومة على عجل في شرم الشيخ لمحاولة إنقاذ السياحة من خراب محقق
والمعنى الواضح هو: أيها السائحين الكفار تعالوا، فنحن نحتاج لأموالكم من أجل أكل العيش؛ ولكننا سنسعد بهلاككم عاجلا أو آجلا...]. وقبل ذلك عاش الإعلام، بأنواعه، حالة تخبط مريرة عند معالجته لحادث خطف السفير المصري في بغداد
هذا الإعلام الأخرق كان قد تبنى نسج أسطورة "المقاومة" التي أطلقت على السفاحين القتلة الوحوش في بغداد. وبالطبع فقد غذي هذا، بصورة غير مباشرة، تصورا شعبيا ساذجا بأن "الإخوة" المجاهدين لا يمكنهم إيذاء أبنائنا في العراق. وحتى عندما خرج الإعلام يصف قتل السفير "الشهيد" بأنه عمل "إرهابي" فقد أثبت مرة أخرى الحَوَل (أو العمى) الأخلاقي الذي أصابه، فيجعله يتخبط في توصيف نفس العمل (قتل الأبرياء) طبقا للظروف ولنوعية القتيل. [ولا داعي هنا للتذكير بأن بعض شيوخ مساجد الدولة استمروا، بعد الحادث، في أدعيتهم بأن ينصر الله المجاهدين العراقيين على الكفار!].وقبل ذلك ببضعة أشهر، قوبل حادث طابا الإرهابي إعلاميا (وشعبيا) بفتور شديد، إن لم يكن الاغتباط، لأن غالبية ضحاياه الأجانب كانوا من "اليهود
هذا الإعلام، الذي نعرف جميعا أن "التطرف" قد اخترقه حتى النخاع، يعيش، ويضع المتابعين له، في فقاعة من الأكاذيب والتوجهات السايكوباتية ويحتاج لمن يفقأ له هذه الفقاعة!ليس من المبالغة إذن القول بأن دماء ضحايا مجزرة شرم الشيخ ودم السفير، بل قبل ذلك وبعده دماء الضحايا الأبرياء في العراق وغيره، هي إلى حد كبير في رقبة إعلامنا العربي الأخرق؛ وفي رقبة كل المسئولين السياسيين الذين تبنوا السياسات الازدواجية التي تحرض الرأي العام، باستخدام الإعلام الرسمي، على التوجهات الغوغائية وتمارس من وراء الستار سياسات أخرى؛ وفي رقبة الجامعة العربية (وبالذات أمينها العام) التي تتبنى الخطاب الغوغائي بل وتزايد عليه؛ وفي رقبة "الشارع العربي" الذي تعلم الخروج متظاهرا وغاضبا بسبب أتفه الأمور، ولكنه قط لم يتحرك ليعلن رفضه للإرهاب الوحشي.
(بل من المذهل ألا تخرج في القاهرة مظاهرة مليونية لإدانة الإرهاب الذي كان وراء قتل السفير المصري أو مجزرة شرم الشيخ)؛ وفي رقبة التعليم الاستعلائي الاستقصائي المبني على الكراهية؛ وفي رقبة فقهاء الإرهاب الذين يسيطر خطابهم التحريضي على منابر الإعلام وعلى الكثير من المساجد: وحتى لو وُصف البعض منهم "بالاعتدال" فلنا أن نتساءل ببساطة: إن كان هؤلاء هم المعتدلون فكيف يكون المتطرفون؟ أو نقول: ما أصدق تعبير "مِن متطرفيهم اعرفوا معتدليهم"، حيث التطرف والاعتدال مجرد اختلاف في الدرجة وليس في النوع، أو هو اختلاف على الأساليب وليس الغايات...يدفن الكثيرون رؤوسهم في الرمال (راجع مثلا الأستاذ رجب البنا في أهرام 10 يوليو 2005) زاعمين أن مجرد وصف الإرهاب الإسلامي ب "الإسلامي" هو نوع من العداء للإسلام أو الافتراء عليه، لأن "جماعات الارهاب المنتشرة في العالم من أصحاب الديانات الأخري تُنسب جرائمهم اليهم كأشخاص أو كجماعات ولا تُنسب إلي دياناتهم...‏"
مثل هذا الخطاب هو من باب الهروب الكبير، إن لم يكن محض الاستعباط. فالحقيقية التي لا شك يعلمها أمثال الكاتب المحترم، هي أنه بالإضافة إلى كون الأغلبية الساحقة من الإرهاب العالمي اليوم هو الإرهاب الإسلامي، فهناك فروق أساسية ونوعية (كيفية) بين الجماعات الساعية للانفصال أو الاستقلال، مثل جيش التحرير الأيرلندي والباسك والتاميل الخ، وبين حركات الإرهاب الإسلامي: 1 ـ المنتمون للجماعات "الانفصالية" التي تلجأ للإرهاب هم بدون استثناء محليون (أيرلنديون، سريلانكيون، أسبان الخ)، بينما أتباع حركات الإرهاب الإسلامي يأتون من عشرات الجنسيات، لكن يربط بينهم كونهم جميعا بالطبع مسلمين (ليس فقط بالميلاد، بل أحيانا بالتحول). قد يكون كل هؤلاء أو بعضهم غير فاهمين لتعاليم دينهم، لكن هذا كلام خارج الموضوع... 2 ـ الجماعات "الانفصالية" لها أهداف سياسية محلية محددة؛ قد تكون غير مقبولة ولكنها على الأقل قابلة للتفاوض، ويمكن في كثير من الأحيان الوصول إلى تسويات بِانها. الإرهاب الإسلامي، من ناحية أخرى، ليس له أهداف سياسية محلية بالمعنى المباشر بل هو "أيديولوجية" عالمية تقوم على يقين مطلق بحتمية تطهير الكرة الأرضية من "الكفر" وإخضاع البشرية لسطوة دولة الإسلام وشريعته. وتساند الأيديولوجيةَ استراتيجيةٌ تحريضيةٌ تدميريةٌ إهلاكية لا تعرف حدودا لما يمكن أن تقترفه. أما ما يُزعم أحيانا من "أسبابٍ" (فلسطين، العراق، أفغانستان الخ) لمجازره فهي اعتذاريات وتلاكيك فارغة
وحتى لو تم حل تلك المشكلات بصورة "مُرضية تماما" (أي محو اسرائيل من على الخريطة مع التخلص من أبناء الخنازير والقردة؛ وإعادة العراق وأفغانستان تحت أقدام الصداميين والطالبان....) فلن يعدم الإرهابُ الإسلامي إخراجَ أسباب أخرى من قائمته الطويلة، بدءا من الغضب بسبب القضاء على الخلافة الإسلامية إلى الانتقام لضياع الأندلس أو للحروب الصليبية أو حتى بسبب مقاومة فيينا ورفضها "الانفتاح" أمام الغزو العثمانلي في مطلع القرن السابع عشر الخ الخ. وأما ما يسوقه بعض "المحلِلين" حول "الفقر" أو "عدم التعليم" أو "الإحباط" أو "النظم الديكتاتورية" أو "عدم اندماج الأجيال الثانية من المسلمين في الغرب" الخ، فهو من باب الجهل أو الدجل أو كليهما. فقد أثبتت الدراسات أنه ليس هناك علاقة بين أي من تلك العوامل والدوافع الأيديولوجية للإرهاب الإسلامي. 3 ـ لا معنى للكلام عن ديانات (أتباع) الجماعات "الانفصالية"، فالواقع أن أيا من هذه الجماعات لا ينسب نفسه لديانة أو يزعم أنه يفعل ما يفعل باسمها أو تنفيذا لأوامرها
[وحتى لو حاول جيش التحرير الأيرلندي ـ مثلا ـ فلن يجد بالطبع آيات من الإنجيل تدعم أساليبه]. بينما نجد، من ناحية أخرى، أن جماعات الإرهاب الإسلامي هي التي تنسب نفسها للإسلام بالإعلان عن هويتها وبالاستناد إلى نصوص دينية (حتى إذا كان صحيحا أنها أخطأت في التفسير والتأويل) لتبرير كل ما تفعل.إذن بدلا من دفن الرؤوس في الرمال والشكوى من مؤامرات (لا وجود لها) تهدف تشويه سمعة الإسلام، لابد من مواجهة الحقائق والتعامل معها