Friday, October 07, 2005

بين دعاة الإرهاب ودعاة التنوير

مجدي خليل
يحتاج محاربة الإرهاب في العالم العربي في البداية إلى الصراحة مع الذات في تحديد العنصر الأساسي في العملية بأكملها وهو الفكر الإرهابي و "الدعاية للإرهاب" فهناك فرق بين القيادات الإرهابية أو رؤوس الإرهاب، وهي تعرف أهدافها جيدا ولها طموحات سياسية ولهذا تقوم بالتأسيس والتخطيط والتنظيم وتوجيه الأوامر، وبين الإرهابي المنفذ، وهو قد يكون مخدوع أو مغسول الدماغ وغالبا لايعرف أبعاد العملية التي يقوم بها، ولكن الأخطر في العملية الإرهابية بأكملها هم "دعاة الإرهاب" فهؤلاء يقومون بالدور الأكبر لصالح رؤوس الإرهاب فيما يتعلق بغسل الأدمغة وزرع الكراهية وتسهيل عمليات التجنيد وتوسيع قاعدة الإرهابين خارج التنظيمات وتثوير المجتمعات بالافكار المضللة مما يجعلهم ادوات طيعة وجاهزة تحت يد قادة الارهاب. وللأسف هؤلاء يعيشون معززين مكرمين في المجتمعات العربية والإسلامية
في هذه المقالة سوف أركز على "دعاة الإرهاب" أو ما أطلق عليهم زين العابدين الركابي "العقول المفخخة"، التي لا ترتكب الفعل الإرهابي بأيديها ولكنها الشريك الإساسي في العملية الإرهابية بأفكارها المسمومة التي تبثها على الرأي العام، في مقابل "دعاة التنوير" أو الأطباء الذين يقومون بدور الوقاية من هذا السرطان الإرهابي وأوضاع كل منهما تبين حجم وعمق الأزمة في المجتمعات العربية
فأولا: يدرك "دعاة الإرهاب" جيدا أن الإرهاب فكر ولهذا يعادون بشراسة أي فكر تنويري ويحاربون أي فكر مضاد ويطلقون أحكام التكفير ويحرضون على القتل ويرفعون القضايا أمام المحاكم، وأصبحت الأية معكوسة والوضع مقلوب حيث يعيش دعاة الإرهاب في آمان وهناك قتل وترويع وحصار لدعاة التنوير. ففي عام1924 تم تجريد على عبد الرازق من شهادته الأزهرية نتيجة لإصداره كتاب " الإسلام وأصول الحكم"، وفى عام 1926 تم حرق كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي"، وفي عام 1947 قتل المفكر الإيراني أحمد كسراوي عقب فتوي الخوميني بذلك،وعام 1985 أعدم محمود طه على يد جعفر النميري وعصابته، وفى عام87 قتل حسين مروة ومهدى عامل فى لبنان من قبل حركة اسلامية متطرفة، وفي عام 92 تم أغتيال فرج فودة بناء على فتوي وذهب المحرضون إلى المحكمة لتبرئة القاتل وأصدروا كتاب بعد ذلك يوضح استحقاقه للقتل ،وفي عام 94 تم طعن نجيب محفوظ بعد مقولة عمر عبد الرحمن الشهيرة "لو نفذ قتل نجيب محفوظ في "أولاد حارتنا" لتأدب سلمان رشدي"، وعام 99 سجن أحمد بغدادي في الكويت ،وفى الكويت ايضا سجنت ليلى العثمان وعالية شعيب، وفي 2002 طالبت أحدى محاكم نيجيريا بقتل اسيوما دانيال بسبب تنظيم مسابقة ملكة الجمال ، وفي عام 2002 أصدرت أحدى محاكم إيران باعدام هاشم اغاجاري والذي خفف للسجن بعد ذلك. وفى اغسطس 2003 اختفى رضا هلال، وفي عام 95 تم تفريق نصر حامد أبو زيد عن زوجته وهرب إلى هولندا، وتم سجن أحمد صبحي منصور وفصلة من جامعة الأزهر وهرب إلى أمريكا، واقيمت الدعاوى القضائية ضد يوسف شاهين واحمد عبد المعطى حجازى وعاطف العراقى، وهدد العفيف الاخضر بالقتل اكثر من مرة، وقضي صلاح الدين محسن ثلاث سنوات سجن كتابه" أرتعاشات تنويرية" وهرب مؤخرا إلى كندا، وسجن علاء حامد ثلاث سنوات عن روايته "مسافة في عقل رجل"، وفي 2001 أقيمت دعوة تفريق نوال السعداوي عن زوجها شريف حتاتة، وفي يوليو أنسحب سيد القمني بعد أن تلقي تهديدا جديا بقتله، وآخر ضحايا الفكر هو سمير قصير الذي قتل فى 2 يونيه الماضى من آجل مواقفه الصلبة والواضحة دعما لحرية واستقلال بلاده، ومنذ ايام حاولت يد الغدر اغتيال الاعلامية اللبنانية مى شدياق وتركتها تصارع الحياة والموت. وبدلا من محاكمة " دعاة الإرهاب" على جرائمهم التي يرتكبوها في حق مجتمعاتهم يعيشون في آمان تام ولم يسمع أن أحد منهم تم تهديده، ولا يكتفون بنشر الفكر الإرهابي عبر المسكونة ولكن أيضا يروعون دعاة التنوير لغلق شعاع الضوء الذي ينبه المجتمع إلى خطورة هذا المرض اللعين.
ثانيا: يعيش دعاة الإرهاب في بحبوحة من العيش وأغلبيتهم أثرياء في حين يعيش أغلب دعاة التنوير في فاقة وينفقون من جيوبهم على كتاباتهم، والبعض منهم لا يلقي حتى نفقات علاجه ( أنظروا مثلا ما حدث للعفيف الأخضر) فلولا تولي بعض الأصدقاء علاجه لمات منزويا في مسكنه المتواضع، والبؤس الذي كان يعيش فيه خليل عبد الكريم ، وما حدث لأسرة فرج فودة بعد وفاته والأمثلة كثيرة. في مقابل هذه الفاقة والترويع والسجون يستقبل أغلب دعاة الإرهاب في قاعات كبار الزوار في المطارات العربية، ويعالجون في أكبر المستشفيات في أوروبا وأمريكا ويرسلون أبناءهم إلى أكبر جامعات العالم للدراسة
ثالثا: في حين يحتفي بكتب دعاة الكراهية والإرهاب وتوزع بكميات ضخمة واحيانا مجانا لا يجد دعاة التنوير في كثير من الأحيان ناشرا، وإذا وجدوا اوطبعوها على نفقتهم الخاصة يصادر الكثير منها ، أنظر ما حدث لكتاب نجيب محفوظ " أولاد حارتنا"، صادق جلال العظم " نقد الفكر الديني"، لويس عوض "فقه اللغة العربية"، سعيد العشماوي "الإسلام السياسي، الخلافة الإسلامية، أصول الشريعة" وكتب خليل عبد الكريم، سيد القمني "رب الزمان، شكرا بن لادن"، جمال البنا "مسئولية فشل الدولة الإسلامية"، نوال السعدواي "سقوط الامام" حتى كتاب "النبي" الجميل لجبران خليل جبران تمت مصادرته في مصر العام الماضي. فحرق كتب بن رشد وعددها 108 كتاب عام 1189 كان إيذانا بخروج العرب والمسلمين من العالم المعاصر ونكوصهم إلى الماضي السحيق، وحرق كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" عام 1926 كان علامة على إهدار النهضة وعدم قبولها وإجهاض حلم رواد النهضة، وبعدها بعامين ظهرت حركة الأخوان المسلمين والتي افرخت عشرات التنظيمات المتطرفة والارهابية في العالمين العربي والإسلامي
رابعا: بصراحة شديدة جزء من أي حركة إصلاح اوتنوير هو نقد الأديان والنصوص الدينية وتفكيك المقدس، يحدث ذلك في كل الأديان السماوية والوضعية، ومنذ عصر الإصلاح الديني في الغرب وهناك مئات الكتب التي صدرت لنقد ومهاجمة اليهودية والمسيحية وبقي أختيار الفرد لدينه في النهاية بناء على قناعات راسخة، في حين أن من يقترب من الإسلام يحكم على نفسه بالموت والاضطهاد والمطاردة .في الوقت ذاته يتم الاحتفاء ومكافأة وتمجيد كل من يهاجم الأديان الأخري وخاصة اليهودية والمسيحية. أنظر ما حدث لسلمان رشدي عن روايته" آيات شيطانية"، أو تسليمة نسرين في بنجلاديش، ورواية السورى حيدر حيدر "وليمة أعشاب البحر"، وأخيرا للمخرج الهولندي ثيو فان جوخ، وبدلا من الرد على مثل هذه الأعمال النقدية هناك الفتاوي الجاهزة بالقتل والترويع. ووصل الأمر أن من يتكلم عن حقائق موثقة من أمهات الكتب الإسلامية يتم تكفيرة، في حين لا يجرؤ هؤلاء على تكفير المصدر الأصلي
خامسا: تتحالف الكثير من الأنظمة مع مؤسساتها الدينية ومع دعاة الإرهاب ضد دعاة التنوير والإصلاح والديموقراطية والمجتمع المدني، بل ويؤسفني القول أن عداوة الكثير من المؤسسات الدينية التقليدية في الدول العربية لدعاة التوير أكثر بكثير من عداوتها للإرهابيين ورؤوس الإرهاب ذاته ولهذا تتخاذل هذه المؤسسات عن إصدار فتاوي واضحة قاطعة ضد هؤلاء الإرهابيين ومن يحركوهم (حتى الان لم تصدر فتوى واحدة ضد اسامة بن لادن كما حدث مع سلمان رشدى وعشرات المفكرين الاخرين
سادسا: دعاة الإرهاب نجوم في المجتمعات العربية مثلهم مثل نجوم الفن والكرة تتاح لهم كل المنابر من المساجد إلى المدارس إلى الجامعات إلى الصحف والفضائيات ولم يمنع داعية إرهابي من أعتلاء مسرح أو مدرج جامعة للإعلان عن أفكاره في حين تم منع الكثير من دعاة التنوير من التواصل مع الناس وبعضهم لا يجد منبرا يستضيفه بل وصل الأمر لمنع الكثير من الفنون والغناء والمسرحيات والحفلات العامة مرضأة لدعاة القبح والكراهية. والاخطر تسلل دعاة الارهاب وانصارهم الى مواقع مهمة فى السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وكافة مناحى الحياة

سابعا: حتى المحامين، لا يوجد محامي يسمي "محامي المستنيرين" ولكن هناك العشرات ممن يطلق على نفسه "محامي إسلامي" أو "محامي الإسلاميين"، والسؤال الأكثر غموضا من يدفع مصروفات هؤلاء المحاميين، فأي قضية لمتطرف تجد فريقا كاملا يدافع عنه ويدخل هؤلاء المحامون بعرباتهم المرسيدس والمسواك في أيديهم، وروائح العطور الغثة المميزة للجماعات الاسلامية تفوح من ذقونهم لتملأ قاعات المحاكم وتصيب الناس بالدوار من رائحتها الفجة المثيرة

ثامنا: لب القضية إنه لم تحدث إدانة جادة للفكر الإرهابي في العالم العربي ومكافحته، لأن الكثير من هؤلاء الذي من المفترض أن يدينوا الفكر الإرهابي هم من "دعاة الإرهاب"، وتحت ضغوط الحكومات يتم على استحياء إدانة عمل إرهابي هنا أو هناك، أما التبرير والهروب فحدث ولا حرج، فأحدهم في كاليفورنيا يقول "لن نحول منظماتنا إلى منظمات تشتغل بشكل موسمي لإدانة الإرهاب"، ومصنف معتدل آخر في لندن يقول " لن نفتح دكاكين فتاوي لإدانة الإرهاب" ، في حين إنهم بالفعل لديهم دكاكين فتاوي تفتي في كل شيء تقريبا

وأخيرا: إذا كانت كل هذه الحوافز تعطي لدعاة القتل والكراهية والإرهاب من تبجيل وأحترام وثراء واحتفاء بأفكارهم واستضافتهم في كل المنابر، فى حين تتخاذل الحكومات والمجتمعات العربية عن حماية ومساندة دعاة التنوير ، فكيف يتوقع البعض أنحسار الإرهاب؟. قد ينحسر العنف بفعل العمل الأمني، ولكن الإرهاب أولا وأخيرا فكر، ولا يمكن هزيمته إلا بفتح طاقات نور لتبديد هذا الفكر الظلامي وإحلال دعاة الحب والخير والجمال مكان دعاة الكراهية والقتل وتقبيح الحياة.وفي النهاية كما يقول توني بلير "الأمر متروك للمسلمين كي يفعلوا شيئا".
magdikh@hotmail.com

3 Comments:

At 5:26 AM , Anonymous Anonymous said...

I LIKE THE WRITINGS OF MAGDY KHALIL THANK U

 
At 4:27 AM , Anonymous Anonymous said...

best regards, nice info
meridia pennsylvania removal tattoo symptoms of colin cancer vardenafil hydrochlide 20 mg dental plans center canada home insurance

 
At 5:49 PM , Anonymous Anonymous said...

Where did you find it? Interesting read » » »

 

Post a Comment

Subscribe to Post Comments [Atom]

<< Home